من أجــــل قــــراءة مسرحيـــة أو ممســــرحة
لتحقيـــق الجــــودة التربـــوية
الجزء الاول | تتمة المقال الجزء الثاني
الدكتور جميل حمداوي
تمهيــــــــد:
من المعروف أن توظيف المسرح في مجال القراءة خطوة مهمة لتحقيق الجودة التربوية في منظومتنا التعليمية. وتعتبر خاصية التمسرح أيضا طريقة بيداغوجية وديداكتيكية فعالة من أجل تحسين مستوى القراءة، والرفع من هذه المهارة الكفائية الأساسية ، والتي تعد في الحقيقة من أهم الأولويات الضرورية للحد من الأمية المتفشية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، وتعد كذلك من العوامل المساهمة بفعالية كبيرة في تحقيق التنمية والتقدم والازدهار على جميع المستويات والأصعدة.
وهكذا، فما تحسين القراءة عن طريق التمسرح والممارسة الدرامية إلا خطوة ضرورية لتحسين مستوى الكتابة والتعبير لدى الناشئة من المتعلمين والمتمدرسين ، وذلك لكي يصبحوا في المستقبل مواطنين صالحين نافعين لوطنهم وأمتهم، قادرين أيما اقتدار على التواصل الهادف مع الآخر المماثل أو المخالف. أضف إلى ذلك، أن أمة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هي أمة القراءة والعلم والتعلم. فلابد ، إذن، من تنويع الطرائق البيداغوجية في التعليم والتعلم، مع استخدام المناهج الديداكتيكية الفعالة ، وتشغيل الآليات الديناميكية للتحكم في عملية القراءة، وتسهيل عملياتها التصويتية والتصورية والدلالية والتداولية، وتمثل مراحلها القرائية والاستماعية استهلالا ووسطا وختاما، وإتقان شروطها تعبيرا وتشخيصا وإلقاء وتمثيلا، وتفعيلها بشكل جيد بنية ودلالة ووظيفة.
هذا، وثمة أنواع من القراءة التي يقبل عليها المرء، فهناك القراءة الصفية، والقراءة المدرسية، والقراءة المنزلية، والقراءة الحرة، والقراءة الناقدة، والقراءة الرقمية، والقراءة الأفقية يمينا ويسارا، والقراءة العمودية من الأسفل إلى الأعلى، والعكس صحيح أيضا...
ومن هنا، سنحاول في هذه الدراسة التركيز على مجموعة من المحاور البارزة التي يمكن حصرها في مفهوم القراءة المسرحية، وأهداف القراءة المسرحية، ومبادئ القراءة المسرحية، وآليات القراءة المسرحية تأليفا وإخراجا، ونتائج القارئ المسرحي.
واقـــع القـــراءة فــي مؤسساتنا التعليميــة والتـــربوية:
يتميز درس القراءة في منظوماتنا التعليمية العربية والإسلامية بالمرونة، والتجزيء، والتدرج، والتراكب، والانطلاق من الجزء والخاص نحو الكل والعام. ويعني هذا أن منهاج القراءة يبتدئ بتعليم الأبجدية الألفبائية عن طريق تدريس الفونيمات(الأصوات)، والمورفيمات(الوحدات الصرفية)، والمونيمات( الكلمات)، ليتم جمعها في جمل مركبة أو ما يسمى عند أندري مارتينه André Martinet بالتمفصل المزدوج Double articulation (الجمع بين الأصوات والكلمات لتركيب الجمل). ومن ثم، ينتقل المتمدرس إلى قراءة فقرات ومقاطع ومتواليات قصيرة من حيث الحجم .
وبعد هذه المرحلة الأولى التي تواكب مرحلة الحضانة وسنوات السلك الأول من التعليم الابتدائي، ينتقل التلميذ إلى قراءة النصوص المتوسطة أو الطويلة من حيث الحجم سواء أكانت نصوصا قرائية عادية أم نصوصا مسترسلة أم نصوصا استماعية في السنوات الأخيرة من الابتدائي وسنوات مرحلتي الإعدادي والثانوي. وغالبا ما تكون النصوص القرائية المثبتة في المنهاج المدرسي بمثابة قصائد أو أناشيد شعرية، أو نصوص سردية، أو نصوص درامية، أو مقالات متنوعة( أدبية، وعلمية، وفكرية، واجتماعية، ودينية، وتاريخية...).
لكن مازال درس القراءة في مؤسساتنا التعليمية العربية والإسلامية يتسم بالملل والروتين والتسطيح والتعثر والإحباط، واستعمال الطرق التلقينية التي تجعل التلميذ شاردا غير منتبه، لا يبالي بالقراءة تتبعا وتمثلا وإنصاتا واستيعابا. وبالتالي، لا يولي لها الاهتمام الكافي على مستوى التهجي والتعبير والتصويت. فنجد التلميذ، على سبيل المثال، يقرأ الشعر والنشيد والمسرحية والقصة والحكاية كما يقرأ المقال بطريقة فاترة عادية وسريعة، لا إحساس فيها ولا شعور، إذ لا يحترم علامات الترقيم توقفا ووصلا وفصلا ونبرا وتنغيما، ولا ينتبه إلى الإرشادات المسرحية الموجودة في النصوص الدرامية. ومن ثم، فلقد أصبحنا فعلا أمام مشكل خطير يهدد مستقبل التنمية البشرية بشكل عام ألا وهو مشكل القراءة.
وهكذا، يلاحظ الدارس التربوي أن نسبة كبيرة من أبناء هذا الجيل الجديد لا يقرأون في غالب الأوقات والأحيان، وذلك بسبب الانسياق وراء مغريات السمعي- البصري، والانبهار بعالم الرقميات. ومن ثم، فهم لا يبذلون أي جهد قصد القراءة والمطالعة سواء أكان ذلك في منازلهم أم خارجها . وإذا قرأوا ما يستوجب القراءة والمطالعة استعدادا لإجراء الفروض والامتحانات التقويمية، فإنهم لا يقرأون بجدية ، ولا يحققون أدنى جودة في ما يقرأونه. وإذا افترضنا أنهم يقرأون بشكل جيد، فإنهم لا يفهمون شيئا مما يقرأونه، وإذا فهموا ما تمليه عليهم قراءتهم ، فإنهم لا يطبقون ما يقرأونه من نصوص ممارسة و تمثلا وعبرة وعملا.
وإذا أخذنا المغرب نموذجا دراسيا ، فسنجده من الدول العربية الأكثر ضعفا في مجال القراءة ، وذلك بسبب انعدام الجودة الحقيقية في تعليمنا شكلا ومضمونا؛ لأن همه الأكبر هو التركيز على الكم على حساب الكيف. ومن هنا، يقول التقرير السنوي للمجلس الأعلى للتعليم لسنة 2008م:" إن تلامذتنا يعانون من نقص في المعارف والكفايات الأساسية( قراءة ، كتابة، حساب، لغات). وفي غياب اختبارات بيداغوجية وطنية ممعيرة، تبقى المعلومات الخاصة بمستوى التحصيل لدى التلاميذ رهينة ببعض الدراسات الدولية النادرة، و التي بادر المغرب إلى المشاركة فيها، مثل دراسات TIMSS في مجال الرياضيات والعلوم سنة 2003، وPIRLS في مجال القراءة المدرسية سنتي 2001و2006م. وتكشف هذه الدراسات عن ضعف مستوى التلاميذ المغاربة بشكل عام، مقارنة بمستوى تلاميذ خمسين دولة مشاركة."
وعليه، فالمدرسة المغربية تعاني الكثير في مجال المعارف الأساسية، ونخص بالذكر القراءة والكتابة والحساب بالإضافة إلى السلوك المدني.
لكن وزارة التربية الوطنية بتنسيق مع المجلس الأعلى للتعليم تقترح مجموعة من الحلول الإجرائية للحد من هذه العوائق، وتتمثل هذه الحلول في العناصر التالية:
1- التوجه التدريجي نحو اعتماد مرجعية محددة للكفايات والمعارف الأساسية التي ينبغي أن يتحكم فيها كل متعلم بالضرورة، عند نهاية كل سلك دراسي،( وهو ما يستدعي مراجعة الكتاب الأبيض، خاصة على مستوى برامج التعليم الابتدائي)؛
2- تخصيص مزيد من الساعات لتقوية اكتساب كفايات القراءة والكتابة والحساب، وربما ساعات أقل لبعض المواد الأخرى؛
3- نجاعة في طرائق التدريس، مع بذل مجهود أكبر فيما يتعلق بالتكوين المستمر للمدرسين، بالموازاة مع إعطاء دينامية جديدة للبحث البيداغوجي؛
4- المزيد من التجهيزات والأدوات الديداكتيكية الملائمة (توفير الوسائل، تبسيط الكتب المدرسية، إلخ)؛
5- إعادة تنظيم الفصل الدراسي، بالعمل بمجموعات صغيرة، مما يسمح بالاستجابة للحاجات المتباينة للمتعلمين؛
6- تعزيز دروس الدعم لفائدة التلاميذ الذين يعانون من صعوبات دراسية ( في المدرسة وضمن الزمن الدراسي الرسمي)؛
7- جهاز متين وموثوق فيه لتقويم مكتسبات التلاميذ، يسمح بمتابعة تقدمهم، وخاصة بالكشف بسرعة عن الصعوبات؛
8- تكثيف عمليات التفتيش والتأطير البيداغوجي المرتبطة بالتعلم والمعارف الأساسية."
وعلى الرغم من هذه الحلول المقترحة لتحقيق مدرسة النجاح، فإن الحلول الحقيقية لتحسين مستوى القراءة تكمن في الحد من الاكتظاظ الصفي، وتوفير مدرس نشيط، وتوظيف المسرح والدراما في المنهاج المدرسي أو التعليمي بصفة عامة و درس القراءة بصفة خاصة.
إذن، ماهي الدراما التعليمية أو ما يسمى أيضا بمسرحة المناهج؟ وماهي القراءة المسرحية أو القارئ المسرحي؟ هذا ما سنعرفه ضمن العنصر الموالي.
مفهــــوم القــــراءة المسرحيــــة:
يحيلنا مفهوم القراءة المسرحية على عدة مصطلحات أخرى مشابهة كالمسرح التعليمي، والمسرح المدرسي، والمسرح التربوي، ومسرح الأطفال، ومسرحة المناهج والدروس، والدراما البيداغوجية، والدراما الإبداعية ، والقارئ المسرحي .
وهكذا، فالدراما التعليمية هي التي تهتم بمسرحة المناهج والبرامج والمقررات الدراسية لخدمة الطفل المتعلم، وتحقيق الوظائف التربوية والتعليمية من وراء تقديم الخبرات التعليمية داخل الفصل الدراسي. ومن هنا، تنبني الدراما التعليمية على شرح الدروس وتفسيرها على ضوء آليات تنشيطية درامية كاستخدام الألعاب، والتقمص، وتبادل الأدوار، وتقليد الشخصيات...
وعلى العموم، فالدراما التعليمية هي التي تسخر المواد التربوية ودروس المقرر ووحدات المنهاج الدراسي في شكل فرجات مشهدية وحوارات مسرحية ، يشارك في إعدادها كل من المدرس والتلميذ داخل الصف المدرسي أو قاعة المدرسة المخصصة للعروض الفنية أو الحفلات المدرسية.
ويعرف الباحث المغربي سالم كويندي المسرح التعليمي بقوله:"وهذا النوع من المسرح يمكن استخدامه على أوسع نطاق لتقديم مختلف المواد والمناهج الدراسية، بشكل يربط الطفل بمدرسته... لما فيه من تشويق، وللدور الإيجابي الذي يعطيه للطفل في العملية التعليمية، بحيث يكون هنا التمثيل مستخدما كطريقة للتعليم، أي إنه طريقة لتعليم الموضوعات "
أما المسرح المدرسي فهو بدوره مسرح تعليمي وتربوي ينجز داخل المدرسة بشكل عام، كما يؤدى داخل القسم بشكل خاص، ويأخذ شكلا دراميا يقوم على مجموعة من الطرائق التنشيطية والدرامية كالارتجال ، والتقليد، والإيهام، وتبادل الأدوار...،ويؤديه الأطفال تحت إشراف المدرس.
وإذا أردنا تعريف المسرح التربوي فهو ذلك المسرح الذي يقدم نصوصا مسرحية ذات طابع ثقافي واجتماعي وأخلاقي وتعليمي وتربوي :" يهدف إلى المساهمة بطريق غير مباشر في عملية التنشئة الاجتماعية، وبناء نظام القيم الأخلاقية والدينية والسلوكية، وإثراء معلومات الطالب العامة، وغير ذلك مما يدخل ضمن نطاق مسؤولية المدرسة في تربية الأطفال بالإضافة إلى تعليمهم."
وإذا كان مسرح الطفل مسرحا عاما يشمل جميع المسارح والفرجات الدرامية المتعلقة بالطفل، فإن المسرح المدرسي – كما قلنا سابقا- يشمل كل ما ينجز داخل فضاء المدرسة من أنشطة وألعاب تمثيلية وغنائية وسيركية وبهلوانية كمسرح العرائس ، وخيال الظل، ومسرح الإيهام ، ومسرح الارتجال، والمسرح التلقائي، والمسرح التعليمي، والمسرح التربوي ، والقراءة المسرحية ، والدراما التعليمية ...
أما القراءة المسرحية أو الممسرحة فهي أن يقدم المدرس درس القراءة اعتمادا على التمثيل والتشخيص ، وتحويل النص القرائي إلى نص مسرحي، أو تمثل مقومات الدراما والمسرح لتحسين مهارة القراءة لدى المتعلمين. ومن ثم، يصبح التلميذ في هذا السياق التربوي والتعليمي قارئا مسرحيا بامتياز.
وبناء على ما سبق، فمسرح القارئ Readers Theatre " هو مصطلح حديث يقصد به ذلك المسرح المصغر الذي تحول فيه القصص إلى نصوص درامية، ويستخدم عادة في المدارس. وهو لا يتطلب ما يتطلبه المسرح العادي. وبالتالي، فمسرح القارئ هو من أفضل الأساليب المستخدمة حاليا في تدريس القراءة في الدول الغربية. وميزة هذا الأسلوب هو أنه يستغل ميل الطفل الفطري للعب والتمثيل فيدخلهما في تعليم القراءة، وبذلك يحقق الطفل غايتي اللعب والتعلم."
وهكذا، فالقراءة المسرحية هي التي تعمد إلى مسرحة القراءة الصفية عن طريق توفير كل الظروف الدرامية الممكنة لجعل المتعلم يتفاعل إيجابيا وديناميكيا مع درس القراءة ، وذلك من خلال الجمع بين هدف التعليم وهدف اللعب والترفيه والتسلية قصد خلق الحيوية والحب والسعادة داخل الصف الدراسي، مع العمل بصدق وجدية على تحقيق الحياة المدرسية الناجحة والفعالة.
بيد أن هذه الطريقة المسرحية في درس القراءة ليست صالحة فقط للتلاميذ العاديين، بل هي مجدية أيضا لذوي الحاجات الخاصة كالصم والبكم والمعوقين، ولاسيما إذا استثمرنا بشكل جيد آليات الميزانسين (الإخراج المسرحي) من تقمص ولعب وتبادل للأدوار، واستخدام جيد للمسرح الصامت أو الميم أو البانتوميم.
تتمة المقال الجزء الثاني