علي أزحاف دينامو الإذاعة الأمازيغية الريفية
الدكتور جميل حمداوي
صورة الصحفي علي أزحاف
توطئـــــة:
من المعروف لدى الجميع أن الثقافة الأمازيغية لا يمكن أن تنتعش أو تزدهر إلا عن طريق الإعلام المسموع والمكتوب. ومن هنا، فالراديو والتلفزيون والسينما والإنترنيت والصحافة والكتاب من الآليات المهمة في عملية التواصل والتبليغ لنقل الرسائل الملفوظة وغير الملفوظة ، وإيصال الشفرات الذاتية أو الموضوعية إلى الآخرين من أجل تلقيها وتفكيكها وتأويلها وتمثلها إيجابا أو سلبا.
بيد أن الإعلام السمعي والمرئي لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة سواء أكانت عامة أم خاصة إلا بوجود الإمكانيات المادية، وتحقيق الديمقراطية ميدانيا، ووجود قضاء نزيه وعادل، وتوفير الطاقات الإعلامية المثقفة والمتجددة من أجل السمو بالإعلام المغربي، والرفع من مكانته وطنيا وعربيا ودوليا.
وسنحاول في هذه الورقة المتواضعة أن نسلط الأضواء على الإعلام الأمازيغي المغربي، وبالضبط على الإعلام الريفي على سبيل التمثيل. وسنختار أيضا شخصية إعلامية ستكون نموذجا ممثلا لهذا الإعلام الجديد الذي انطلق في أداء مهمته الجسيمة مع العهد الجديد المبني على سياسة التناوب، والتصالح الذاتي، واحترام حقوق الإنسان، والسعي الجاد من أجل إرساء العدالة والديمقراطية.
الإذاعة الأمازيغية الريفية: تاريخ ومراحل:
من الأكيد أن الراديو ، منذ فترة الاستقلال، قد قام بدور فعال في ربط التواصل بين المذيعين والجماهير من أجل خلق ثقافة مشتركة قوامها التنوير والتفعيل والتغيير لخدمة مجتمعنا المغربي بصفة خاصة وأمتنا الإسلامية بصفة عامة. والكل يعلم أن الراديو قد قدم برامج متنوعة في البداية باللغتين العربية والفرنسية، لينتقل مع العهد الجديد إلى تقديم المواد الإذاعية باللغة الأمازيغية في شتى تنوعاتها اللهجية (تاريفيت، وتاشلحيت، وتمازيغت). بيد أن إذاعة الراديو الأمازيغية ستعرف تاريخيا مرحلتي المد والجزر، ليصبح التفكير اليوم في تلفزة أمازيغية ضرورة ملحة من أجل التعبير عن هوية الإنسان الأمازيغي ، واستيعاب طموحاته الكثيرة، و تحقيق مشاريعه المتنوعة على جميع الأصعدة والمستويات.
وهكذا، فإن للراديو في إذاعة البرامج الأمازيغية الريفية وغير الريفية - كما قلنا سالفا- تاريخا يتمثل في مرحلتين أساسيتين: مرحلة الجاذبية مع انطلاق الإذاعة الريفية ، حيث استطاعت هذه الإذاعة الجديدة أن تجذب إليها مجموعة من المشاهدين الأمازيغيين سواء من داخل الوطن أم من خارجه. وكان من أهم المنشطين في تلك الفترة علي أزحاف والمصطفى البوزياني باعتبارهما من الأطر المثقفة والمتنورة في مجال الإعلام الإذاعي. لكن هناك أطر إعلامية أخرى لم تستطع في تلك المرحلة أن تفرض نفسها بشكل جيد نظرا لبرامجها العادية أو الكاسدة أو المملة.
أما المرحلة الثانية فأسميها مرحلة الكساد والبوار والتراجع الإذاعي بسبب سيطرة قنوات إذاعية أخرى على منطقة الريف، وهي المنطقة المستهدفة طبعا من قبل الإذاعة الأمازيغية الريفية. وإلا فلمن تتوجه هذه الإذاعة إذا لم تكن تخاطب الريفيين في الأصل؟! ومن أهم القنوات الإذاعية التي هيمنت على منطقة الريف بصفة خاصة والمنطقة الشرقية بصفة عامة إذاعة " كاب راديوCap Radio " التي تبث برامجها من مدينة طنجة، وقد نجحت أيما نجاح في كسب الكثير من المستمعين الريفيين. بينما ظلت إذاعة الريف بالرباط عاجزة ومشلولة ، تقتصر على مستوى الإعلان والبث على شريحة معينة من المستمعين ، ولاسيما المتتبعين الموجودين في منطقة الغرب الأوسط ، وبذلك تكون قد حرمت أيما حرمان من جماهيرها الريفية الحقيقية.
واعتقد أن هناك أسبابا أخرى في هذا التراجع والكساد ، وأنا أتحدث عن الإذاعة الأمازيغية الريفية على سبيل التخصيص. ومن بين هذه الأسباب التي تشخص لنا أزمة الإذاعة الأمازيغية الريفية قلة الموارد البشرية التي تسهر على تفعيل الإذاعة الريفية، وانعدام الكفاءات الإعلامية المحسوبة على الريف تأهيلا وتكوينا وتثقيفا وتنشيطا. إذ يلاحظ أن هناك طاقات إعلامية في حاجة ماسة إلى التكوين والتدريب والتثقيف، مع ضرورة التبحر في العلوم والفنون واللغات. فكيف يعقل للمثقف الأمازيغي الريفي أن يسمع لصحفيين في إذاعة الريف لايفقهون شيئا في المسرح والسينما والأدب والتاريخ والسياسة. وذلك، لأن هؤلاء الإعلاميين بكل صراحة لايبحثون ، ولايقرأون، ولا يجتهدون مثل غيرهم في القنوات الإعلامية الأخرى؟ ولكني استثني بعض الطاقات المتميزة كعلي أزحاف، والمصطفى البوزياني...
زد على ذلك، فمن أسباب كساد الإذاعة بشكل عام قلة الإمكانيات المالية والمادية، والتقليص من الاستطلاعات والتحقيقات الخارجية، والتقوقع في الأستوديو بعيدا عن التفاعل المباشر مع الجمهور، وانعدام التمويل الحقيقي لتحريك الإذاعة الريفية تحريكا ديناميكيا، وغياب الشركات والعقود التي يمكن إبرامها مع المبدعين والمثقفين الأمازيغيين المتميزين في الريف، بالإضافة إلى انعدام التحفيز والتشجيع المادي والمعنوي.